عين اليمن على جنوب اليمن

المرقشي.. من استغلال المأساة إلى مفاجأة الإفراج

المشهد الجنوبي الأول ــ العربي ــ صلاح السقلدي

جمعتنا بالمعتقل الجنوبي، أحمد عمر العبادي المرقشي، رُفقة اعتقال مريرة لعدة أشهر بالسجن الذي يقبع فيه منذ مطلع عام 2008، وهو السجن المركزي بصنعاء، حين تم نقلنا كمعتقلين جنوبيين عام 2010من سجن الأمن السياسي بصنعاء الى السجن المركزي هناك. رجُلٌ صلبٌ، عفوي الحديث ذات سجية تلقائية في تعامله مع الجميع، بشوش المحيا والهيئة، يتوهج حماسة ويتقد وطنية، بل وقومية عربية خالصة. فهو المناضل العربي الذي كان له شرف النضال والاستبسال في جنوب لبنان ضد العدو الصهيوني في ثمانينيات القرن الماضي بعد غزوه لبنان.

ولم تنقطع الاتصالات بيننا بعد خروجنا نهاية عام 2010، وبقائه هناك، حتى آخر مكالمة هاتفية بعد ساعات من خبر قرار الإفراج عنه مساء الأحد 9ديسمبر الحالي، والذي أكد خلالها أنه بصدد إجراءات روتينية للخروج، وقد أوضح تفاصيل إرهاصات قرار الخروج ومن ساهم بإخراج هذا القرار الى النور، في رسالة شُكر وجهها لكل من شارك بهذا الجهد، وجميعهم قيادات من حركة «أنصار الله»، دون أي جنوبي يذكر للأسف.

كانت مفاجأة كبيرة لنا أن يحدث هذا، وبهذه السرعة، ودون سابق تسريبات، خصوصاً وأن السلطات التي تعاقبت على حكم صنعاء منذ اعتقاله قبل أكثر من عقد من الزمن لم تكترث لأمره أو تلتفتْ لمأساته، وهو الذي تعشم فيها خيراً، خصوصا فترة حكم الرئيس هادي منذ مطلع عام 2012، بحيث عوّلَ عليه المرقشي كثيراً بحكم رابطة الجغرافيا والدم التي تربطهما، فكليهما من قبيلة «آلفضلي الابينية الجنوبية».

ولكن خاب ظن الفضلي المعتقل بالرئيس، كما خاب ظن كل جنوبي فيه، فهو أي هادي وسلطته استغلوا حالة المعتقل أحمد المرقشي، استغلالاً سياسياً مقززاً سيما قبل وأثناء الفترة التي سبقت الحوار الوطني(حوار فندق موفنبيك)، حين جعل منه أعضاء الحوار الوطني وبالذات من الجنوبيين الذي سوّقوا مشاركتهم بذلك الحوار البائس بأنه يهدف من ضمن ما يهدف إليه من تلك المشاركة الإفراج عن المعتقل المرقشي. وبعد ذلك، لم يكن في نظرهم أكثر من نسخة مصغرة من تمثال أبو الهول يتم التقاط الصور بجانبه وتوزيعها على مواقع التواصل الاجتماعية ليتم بعد ذلك توظيفها توظيفاً سياسياً، وشخصياً، لئيم وأناني.

هادي وسلطته استغلوا حالة المعتقل أحمد المرقشي

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل حتى بعد اندلاع هذه الحرب مطلع آذار/مارس 2015، حيث ظلت سلطة هادي الهاربة تتخذ من قضية المرقشي ورقة مزايدة وتدليس بوجه الطرف الآخر، وتمطر وسائل الإعلام بوابل من الأخبار المروعة عن صحة المعتقل وما يتعرض له على يد «الإنقلابيين الموالين لإيران الفارسية». ليس عجزاً من سلطة هادي أن لا تطلقه، ولكن بُخلاً منها أن تتبرع ببضعة ملايين، وهي السلطة التي تلتهم الأخضر واليابس في طريقها، كما أن ذلك التلكؤ بإطلاقه  وهي القادرة أن تخرجه  إن أرادت، كان حرصاً منها على إبقاء الرجُل خلف القضبان لتجعل منه ضحية للتباكي عليه، وهي التي خذلته مرة تلو الآخرى، ليس فقط خذلانا مالياً، ولكن خذلاناً اجتماعياً وسياسياً بالمقام الأول، فهو بالمناسبة اُعتقل لحسابات سياسية أكثر منها جنائية حين كان حارساً لصحيفة «الأيام العدنية» المعارضة بقوة لسلطة 7 يوليو، وما تعرضت له وحارسها، من استهداف سياسي مغلف بغلاف جنائي وشخصي صبيحة أحد أيام شهر فبراير عام 2008.
وبالتالي، فلا غرو أن تخذل سلطة هادي المعتقل الجنوبي أحمد عمر المرقشي، فقد خذلتْ قبله الجنوب وقضيته برمتها، كما أنه لا غرو أن تستثمر مأساة اعتقاله، فقد استثمرت بكل قبح وفجاجة -وما تزال- وجع  الجنوبيين كافة و«قضيتهم الوطنية»، قبل أن تدير بوجه هذه القضية ظهر المجن مستفيدة هذه السلطة من حالة التهالك والسقوط على  طاولات المناصب، وعلى موائد المكاسب المالية والمادية التي ظهرت عليها بعض القيادات الجنوبية المحسوبة على القضية الجنوبية وبالذات على تيار التحرير والاستقلال، حين أرتمت بشكل مخزي بحضن أسوأ واقبح سلطة حكمت اليمن بالعصر الحديث أو على الأقل منذ عام 1990.

حتى كان يوم التاسع من ديسمبر الحالي، الذي وضع نهاية لمعاناة المرقشي على يد قيادات حركة «أنصار الله»، ظلت سلطة هادي وقيادات جنوبية تصفها بـ«الانقلابية المجوسية الرافضية»، لتمثل هذه القضية صورة مصغرة لحال القضية الجنوبية وكيف تلاعبت وتتلاعب بها السلطات الحاكمة منذ ربع قرن وتسومها سوء العذاب والضرر، وأشدها ضرراً هو ضرر السلطة الموزعة اليوم على أجنحة فنادق الخليج الوثيرة، والمسماة افتراضا بـ«الشرعية».!

You might also like